السيد ابن طاووس
29
طرف من الأنباء والمناقب في شرف سيد الأنبياء
إلّا أنّ الجهود الخيّرة والمساعي المثمرة للأئمّة الطاهرين عليهم السّلام صمدت في وجه كلّ تلك الحملات المسعورة ، فربّى الأئمّة عباقرة وجهابذة وحملة للرسالة ، قارعوا الأفكار الخاطئة ونشروا وتحمّلوا أعباء الرسالة الصحيحة ، فدوّنوا المؤلّفات الّتي تصحّح كلّ ما مسّته يد التحريف والتلاعب . وكان النصيب الأوفر من الخلاف ، والقسم الأضخم من النزاع ، قد انصبّ على مسألة الإمامة والخلافة والوصيّة لعليّ عليه السّلام ، فدار حولها الجدل والخلاف في أوّل يوم بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله ، وذلك في سقيفة بني ساعدة ، حيث احتجّ المهاجرون على الأنصار بأنّهم من قومه وعشيرته ، واحتجّت الأنصار على المهاجرين بأنّهم الّذين آووا ونصروا ، وأنّهم الأوّلون قدما في الإسلام ، وامتدّ النزاع واشتجر بينهم ، ناسين أو متناسين حقّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وأولويّته بالخلافة ولو وفق ما احتجّ به الفريقان . وعلى كلّ حال ، فقد سيطر أبو بكر بمساعدة عمر على الأمور بالقوّة والعسف ، ولم يصخ سمعا لاحتجاجات عليّ عليه السّلام المحقّة ، مبتدعا قولة « لا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم » « 1 » ، ومن ثمّ ادّعى من بعدها « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث درهما ولا دينارا » « 2 » ، وما إلى غيرها من مبتكرات الخلافة المتسلّطة . من هنا نجد أنّ الصراع الفكري في مسألة الإمامة الّتي أخفى الظالمون معالمها قويّ جدّا ، فراح رواة الشيعة وعلماؤهم يؤلّفون أخذا عن أئمّتهم عليه السّلام في هذا المجال العقائديّ ،
--> ( 1 ) . انظر كتاب سليم بن قيس ( 117 ) وفيه : ثمّ ادعى أنّه سمع نبي اللّه يقول : إنّ اللّه أخبرني أن لا يجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة ، فصدّقه عمر وأبو عبيدة وسالم ومعاذ . وانظر جواب علي على ذلك إذ دخل في الشورى ، في كتاب سليم أيضا ( 119 ) ( 2 ) . انظر صحيح البخاري ( ج 5 ؛ 177 ) ، صحيح مسلم ( ج 3 ؛ 1380 ) ، السيرة الحلبية ( ج 3 ؛ 389 ) . وهذا الحديث من مخترعات أبي بكر لم يرو عن غيره . قال ابن أبي الحديد : قال النقيب أبو جعفر يحيى بن محمّد البصري : إن عليا وفاطمة والعباس ما زالوا على كلمة واحدة ، يكذبون « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » ويقولون أنّها مختلقة . انظر شرح النهج ( ج 16 ؛ 280 )